img 20260416 111206

لحاء الغيب: اليوم الذي تحدى فيه الحجر الحرير

بعين التاريخ، تجمدت لحظة من التجلي.

هناك صور لا تنتمي إلى التدفق المستمر للأخبار، بل إلى ذاكرة القرون. الصورة التي نتأملها اليوم هي من هذا القبيل. لأول مرة منذ أجيال، تركت الكعبة — مركز جاذبية العالم — درعها من الحرير الأسود ينزلق لتكشف لنا عن وجهها الحجري. لم تعد أيقونة مثالية ملساء؛ بل أصبحت تحفة فنية من الجرانيت، ضخمة، راسخة، وشبه برية. في الحرم المكي الشريف، حدث نادر للغاية أوقف أنفاس الزمن.

▪️➖➖➖▪️🌿🌿🌿▪️➖➖➖▪️

ما نتأمله ليس مجرد خطوة فنية، بل هو تجلٍّ: الكعبة تكشف لنا عن وجهها الحجري بحياء وأناقة نادرة. أولئك الذين اعتادوا رؤية الكعبة مكسوة بكسوتها السوداء المهيبة، الملساء والمنيعة، تملّكتهم رؤية تكاد تكون خيالية. تحت تأثير أعمال صيانة ضرورية، ذلك التنظيف الشعائري والفني الذي يهيئ المكان المقدس لاستقبال الحشود الغفيرة، ارتفع الحجاب. لم نعد نتأمل مجرد مكعب، بل عمارة تسلب الألباب.

La Kaaba dévoilée

شموخ الحجر في مواجهة انسيابية الحرير.

تناغم بين الحجر والرياح

انظروا كيف أن الكسوة السوداء لا تتدلى, بل ترتفع بتناغم هوائي. يخيل للمرء أن الرياح ذاتها، بكل إجلال، ترفع برفق هذا الثوب المخملي لتكشف عما لا يراه العالم أبداً. لا توجد هنا أي فوضى. كل شيء ينطق بالمهابة. إنه تجرد نبيل حيث تلتقي نعومة النسيج بقسوة الجرانيت الممتدة عبر آلاف السنين. إن رؤية هذه الأحجار العارية هي قراءة لكتاب مفتوح يروي أربعة عشر قرناً من التعبد.

1776338986726 1000149617

ما تلتقطه العدسة هنا هو الجرانيت الرمادي المزرق لجبال مكة، تلك الأحجار المستخرجة من تلال قعيقعان أو جبل كداء. إنها ليست مجرد مواد بناء. بل هي الشواهد الصامتة التي سمعت دعوات إبراهيم، وتنهدات الصحابة، وصلوات الحجاج من العصر الأموي حتى يومنا هذا. أمعنوا النظر في هذه الكتل: بعضها موجود منذ إعادة البناء في عهد قصي بن كلاب، والبعض الآخر تم تدعيمه في عهد الخلفاء أو السلاطين العثمانيين. كل وصلة هي تجعيدة على وجه التاريخ.

1776338677825 1000149457

«هذا التجرد ليس استعراضاً، بل هو بوح: الكعبة تظهر لنا قوتها الحقيقية، تلك التي لا تحتاج إلى ذهب أو حرير لتفرض هيبتها.»

صنيع إبراهيم

بصفتي عاشقة للتاريخ، يخفق قلبي أمام هذا المشهد. تحت هذا الحجاب المتموج، ما نراه هو القوة الغاشمة للذاكرة. إنها الأحجار التي وضعها إبراهيم، أسس إيمان عبر العصور. إن رؤية هذا البناء العاري هو عودة إلى منبع جغرافية الإسلام، حيث شيد النبي، بمساعدة إسماعيل، هذا المكعب للأبد. كل حجر يتكشف هو شاهد على هذا العهد القديم. إنها ليست مجرد صخور؛ بل هي الهيكل العظمي لتاريخ يفوقنا، هي اللحم الحي للملاذ المقدس.

1776338927493 1000149607

تُظهر لنا الصورة تبايناً مذهلاً: تتلاشى حداثة هياكل الرفع أمام الشموخ الراسخ للمبنى. كسوة الحرير، التي تبدو للحظات بلا شكل ومعلقة، تشبه سحابة داكنة تنقشع لتسمح للجوهر بأن يشرق. من المنظور الإسلامي، تذكرنا هذه الرؤية بحقيقة عميقة: الكسوة هي تكريم يقدمه الإنسان لله، لكن البيت (البيت الحرام) لا يحتاجها ليكون مقدساً. إنه مقدس بغايته، وبقبلته، وبالأرض التي يستقر عليها. هذا التنظيف ليس مجرد مسألة إزالة غبار؛ بل هو عمل من أعمال التعظيم. نحن نعتني بهذه الأحجار كما نعتني بجسد نفيس.

1776338661576 1000149455

شهادة للتاريخ

نحن نعيش لحظة ربما لن نراها مرة أخرى أبداً. هذه الصورة المذهلة هي هدية لجيلنا. إنها تذكرنا بأنه خلف الزينة، يوجد الحجر؛ وخلف أناقة الحاضر، تكمن قوة الماضي. يتوارى قلم الكاتبة أمام روعة الصورة. في ذلك اليوم، لم تكن الكعبة في حالة أشغال. بل كانت في حالة وصال. لقد قدمت نفسها لعيوننا، لوهلة من الزمن، لتذكرنا بأن أصفى درجات جمالها تكمن في ذاكرتها الجرانيتية، تلك التي لم تستطع القرون أن تمحوها، والتي تأتي الرياح لتحييها برقة متناهية.

1776338821778 1000149606

سر ينكشف. هناك نوع من الحياء في هذه الصورة. يبدو أن الكعبة تمنحنا سراً، وتظهر لنا ما تخفيه عادة عن العالم. إن رؤية هذه الأحجار الضخمة هو تذكير بأن الإسلام هو دين الرسوخ. وسط صخب ورش البناء الحديثة التي تحيط بها، تظل هي تلك الحارسة الجرانيتية، قوية وعصية على التطويع. أرى فيها استعارة للمؤمن: أحياناً، يجب أن تُرفع الأبهة والمظاهر لتتكشف البنية الحقيقية للروح، المصنوعة من الصبر والقسوة والإيمان الخالص.

1776338634705 1000149605

▪️➖➖➖▪️🌿🌿🌿▪️➖➖➖▪️

سَوْرِيَّة بنت عمار الأنصارية

حفيدةُ بني زُرَيْق – خادمة الأثر

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *